يشرح الكاتب في مستهل تحليله كيف وجدت وزيرة الخزانة البريطانية راشيل ريفز نفسها أمام مشهد عالمي مضطرب وهي تعلن بيان الربيع، ويشير إلى أن التوترات الجديدة في الشرق الأوسط وضعت خطتها الاقتصادية تحت اختبار مبكر. تواجه الحكومة البريطانية عاصفة خارجية لا تشبه ما بُنيت عليه الحسابات السابقة، بينما تصر ريفز على أن خطتها الاقتصادية تظل الأنسب لبلد يدخل “عالماً أشد اضطراباً”.
نشر موقع ذا كونفرزيشن هذا التحليل في لحظة تتسارع فيها التطورات الجيوسياسية، ما يجعل أي توقع اقتصادي عرضة للتقادم السريع. يستند التقرير إلى أرقام مكتب مسؤولية الموازنة المستقل، لكنه يلمح إلى أن الأحداث الأخيرة ربما تجاوزت تلك الأرقام بالفعل.
توقعات تحت الضغط
يتأخر صدور التقديرات الرسمية عادة عن إيقاع السياسة والنزاعات، وهذه المرة لم تتضمن حسابات مكتب مسؤولية الموازنة أي صدمات محتملة في سلاسل الإمداد العالمية أو ارتفاعات حادة في أسعار الطاقة نتيجة الضربات الأميركية–الإسرائيلية على إيران. يحذر ممثلو المكتب من تأثير “كبير جداً” إذا استمر التصعيد، ويقرون بأن الاقتصاد البريطاني واجه مستوى غير معتاد من عدم اليقين حتى قبل اندلاع الأزمة.
ترسم التوقعات صورة مزدوجة: يتباطأ النمو الاقتصادي ونمو الوظائف، بينما تتراجع الضغوط التضخمية نسبياً مع احتمالات انخفاض أسعار الفائدة. تتحسن “الفسحة المالية” للحكومة بشكل طفيف، لكن يظل الدين العام مرتفعاً ليبلغ نحو 95% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2031، ما يزيد هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية مقارنة بدول أخرى.
تؤكد ريفز بثقة أمام البرلمان أن الحكومة قادرة على تجاوز التوقعات كما فعلت سابقاً، وتراهن على متانة المالية العامة لمواجهة العاصفة والاستمرار في خطط الإنفاق الحالية. غير أن مسار الحرب قد يفرض واقعاً مختلفاً تماماً.
الطاقة والتضخم وسلاسل الإمداد
ترفع الحرب أسعار النفط والغاز سريعاً، وتهبط أسواق الأسهم في الوقت نفسه. تقر التوقعات الرسمية بأن المخاطر المرتبطة بصراع الشرق الأوسط قد تغيّر المسار الاقتصادي جذرياً. تغلق قطر إحدى منشآتها الرئيسية بعد هجمات إيرانية، فتقفز أسعار الغاز فوراً. يهدد أي تعطيل في مضيق هرمز تدفقات هائلة من النفط نحو اقتصادات آسيوية كبرى مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان.
تحدد الحكومة البريطانية سقفاً لأسعار الغاز المنزلي، لكن استمرار ارتفاع الأسعار العالمية لفترة طويلة سيدفع التضخم إلى الأعلى ويقلص فرص خفض إضافي لأسعار الفائدة عبر بنك إنجلترا. تعتمد بريطانيا بشكل محدود على غاز الشرق الأوسط مباشرة، إلا أن أسعار الطاقة تحددها الأسواق الدولية. تعتمد أوروبا بدرجة أكبر على إمدادات المنطقة، وأي اضطراب هناك ينعكس تضخماً أعلى ونمواً أضعف في أكبر سوق تصدير للمملكة المتحدة.
يمتد الأثر المحتمل إلى آسيا، حيث تقود اقتصادات التصدير النمو العالمي. يهدد أي تباطؤ عالمي اقتصاداً بريطانياً يعتمد بقوة على التجارة الخارجية. يلوّح أيضاً توتر العلاقات مع الولايات المتحدة بإمكانية تعقيد الاتفاقات التجارية، خاصة إذا توترت العلاقات السياسية حول الموقف من الحرب.
ضغوط مالية وخيارات صعبة
ينمو الاقتصاد البريطاني حالياً بنسبة تقارب 1% سنوياً، وأي تباطؤ إضافي سيؤثر مباشرة في إيرادات الضرائب والإنفاق الحكومي والقدرة على الاقتراض. يؤدي ضعف النمو إلى تراجع العائدات الضريبية وارتفاع الحاجة إلى الاقتراض، ما يزيد تكلفة خدمة الدين ويبدد التحسن الأخير في تكاليف التمويل.
تصعب هذه الظروف أي تفكير في تخفيضات ضريبية ذات طابع انتخابي قبل انتخابات 2029. قد تضطر الحكومة إلى تمديد تجميد حدود الشرائح الضريبية، ما يضغط على دخول العاملين. تتزامن هذه التحديات مع مطالب إنفاق إضافية مؤجلة، تشمل إصلاحات مكلفة لدعم الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة وخطط تخفيف عبء الديون الطلابية، إضافة إلى رعاية اجتماعية لسكان يتقدمون في العمر وأهداف إسكان متأخرة وتمويل سلطات محلية تعاني ضيقاً مالياً.
يدفع تصاعد التوترات الجيوسياسية أيضاً نحو تسريع زيادة الإنفاق الدفاعي من 2.5% إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، بكلفة تقارب 40 مليار جنيه إسترليني. يفرض هذا الخيار إما زيادات ضريبية جديدة أو خفضاً أعمق في قطاعات أخرى.
قد يخفف نزاع قصير وحاسم بعض هذه الضغوط، لكن يعرقل عدم اليقين بحد ذاته قرارات الاستثمار ويقوّض معالجة مشكلة الإنتاجية المزمنة في المملكة المتحدة، وهي المفتاح الحقيقي لرفع مستويات المعيشة على المدى الطويل. هكذا يجد صانعو القرار أنفسهم أمام معادلة معقدة: اقتصاد هش، عالم مضطرب، ومساحة مناورة تضيق كلما طال أمد الصراع.
https://theconversation.com/conflict-in-the-middle-east-makes-official-economic-forecasts-immediately-out-of-date-277424

